مغرب العبث و التناقضات.. : بين ملعب ينجز في سنة ومكتبة طنجة تهمل ل 10 سنوات.
في مدينة طنجة، التي تزهو بمشاريعها الكبرى وتطلعاتها العالمية، يقف صرحان كمثال صارخ على تضارب الأولويات. أحدهما ملعب يرتفع بناؤه في شهور، ليصبح رمزا للسرعة والإنجاز، وآخر معلمة ثقافية ضخمة أُغلقت أبوابها لأكثر من عقد من الزمن، لتتحول من منارة للعلم إلى نصب تذكاري للإهمال.
إنها حكاية مكتبة “اقرأ” الوسائطية الكبرى. مشروع طموح كلف الدولة حوالي 48 مليون درهم، وأقيم على مساحة تزيد عن 7500 متر مربع، وتجهّز بأحدث القاعات للمطالعة والندوات والبحث. لكن كل هذا البذخ أصبح هباءً منثوراً. فالنوافذ الزجاجية التي كان من المفترض أن تضيء عقول القراء، تعكس الآن غبار التجاهل، والأبواب الموصدة تهمس بقصة عن الفشل الإداري الذي لا مبرر له.
كلما أثير السؤال حول سبب عدم افتتاح المكتبة، تظهر التبريرات الرسمية الباهتة. “صعوبات إدارية”، “غياب رؤية واضحة للتدبير”، “نقص الموارد البشرية”. هذه ليست أسباباً منطقية لتعطيل مشروع بهذا الحجم لأكثر من 10 سنوات. إنها مجرد اعتراف ضمني بأن الإرادة السياسية لإنهاء هذا المشروع الثقافي غائبة، وأن البيروقراطية الرسمية أثقلت خطى التقدم. فكيف يمكن لبلد أن ينجز ملاعب ضخمة في وقت قياسي، ويجد نفسه عاجزاً عن توفير بضع عشرات من الموظفين لإدارة مكتبة؟
هذا التناقض الصارخ لا يمكن تجاهله. ففي حين تستثمر الحكومات في البنى التحتية الترفيهية والرياضية وتُظهر كفاءة مذهلة في إنجازها، تُترك المؤسسات المعرفية والفكرية للمجهول. وكأن الرسالة الموجهة إلى الشباب واضحة: الجماهيرية والاحتفال لها الأولوية على المعرفة والبحث.
إن مكتبة “اقرأ” المغلقة ليست مجرد مبنى مهجور في طنجة. إنها رمز لإشكالية وطنية أعمق. هي صورة لمجتمع يعاني من اختلال في التقييم، حيث تُعد الأهداف قصيرة المدى المرتبطة بالترفيه أهم من الأهداف الاستراتيجية المرتبطة ببناء العقول. فمتى سيدرك المسؤولون أن الاستثمار الحقيقي لا يكمن فقط في الإسمنت والحديد، بل في الكتب والأفكار التي تضيء المستقبل؟


إرسال التعليق
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.