×

اسبانيا تستغل الفلاحة لتوضيف شعبها بأثمنة كبيرة جدا، بينما المغرب يترك الفلاحة بيد رجال الأعمال التي تسترزق لصالح الضعفاء.

اسبانيا تستغل الفلاحة لتوضيف شعبها بأثمنة كبيرة جدا، بينما المغرب يترك الفلاحة بيد رجال الأعمال التي تسترزق لصالح الضعفاء.


بينما يطل المغرب وإسبانيا على ضفتي مضيق جبل طارق، يتباعد نهجهما في إدارة القطاع الفلاحي، رغم التقارب الجغرافي. ففي الوقت الذي باتت فيه الفلاحة الإسبانية نموذجا يشار إليه بالبنان في خلق فرص العمل المربحة، لا يزال القطاع الفلاحي في المغرب يثير تساؤلات حول جدوى استراتيجياته التي يبدو أنها تخدم مصالح خاصة على حساب التنمية الشاملة. فهل يمكننا القول إن إسبانيا “تؤمم” الفلاحة لتوظيف شعبها، بينما “يخصخصها” المغرب ليجني ثمارها الخواص وحدهم؟

 

تعتبر إسبانيا قوة فلاحية كبرى في أوروبا، ليس فقط بسبب تنوع محاصيلها ووفرة إنتاجها، بل أيضا لكون القطاع الفلاحي يمثل محركا رئيسيا للتشغيل، خاصة في المناطق الريفية. لا تقتصر السياسة الإسبانية على الإنتاج فحسب، بل تمتد إلى تنظيم سوق العمل الفلاحي بشكل يضمن حقوق العمالة ويستقطبها.

 

تعتمد الدولة الإسبانية على مجموعة من الآليات التي تضمن انخراطها المباشر في سوق العمل الفلاحي، وإن كان القطاع الخاص هو من يدير الأراضي والمشاريع. فمن خلال برامج العمل المؤقت (contratos de temporeros) التي تعقد بين إسبانيا ودول أخرى كالمغرب، تضمن إسبانيا تلبية حاجتها من الأيدي العاملة الموسمية بشكل قانوني ومنظم. هذه العقود توفر للعمالة شروطا واضحة، بما في ذلك الأجور، الإقامة، والتأمين الصحي، وهو ما يحمي حقوقهم ويجعل العمل في الفلاحة الإسبانية خيارا مغريا.

 

هذا النموذج يساهم بشكل مباشر في خلق مئات الآلاف من فرص العمل، خاصة في مواسم الحصاد وجني الفواكه والخضروات، مثل الفراولة والحوامض في الأندلس. وبفضل أسعار المنتجات المرتفعة في السوق الأوروبية، يحقق المزارعون أرباحا كبيرة، بينما يحصل العمال على أجور تعتبر مرتفعة مقارنة بالمتوسط في بلدانهم الأصلية، مما يساهم في تحسين مستوى معيشتهم بشكل ملحوظ.

 

المغرب.. على الجانب الآخر من المضيق، يختلف المشهد. فرغم أن المغرب يعتبر بلدا فلاحيا بامتياز، إلا أن الفلاحة فيه تثير جدلا حول عدالة توزيع ثرواتها. فمن خلال مخططات مثل “المغرب الأخضر” و”الجيل الأخضر”، قدمت الدولة دعما ماليا واستثماريا ضخما للقطاع، لكن هذا الدعم وجه في كثير من الأحيان نحو “المشاريع الكبرى” التي يديرها ويستفيد منها الخواص ورجال الأعمال.

 

في هذا السياق، تظهر الفلاحة المغربية وكأنها “ميدان” للاستثمار الخاص، حيث يتم ضخ الأموال العامة لدعم المستثمرين، الذين بدورهم يستفيدون بشكل حصري من الأرباح الهائلة التي يدرها تصدير المنتجات الفلاحية. ورغم أن هذه المشاريع تخلق فرص عمل، إلا أن الأجور غالباً ما تكون منخفضة، وظروف العمل قد لا ترقى إلى المعايير الدولية، مما يجعل العمالة الفلاحية تعيش في وضعية هشة.

 

إن التوظيف في القطاع الفلاحي المغربي غالباً ما يكون على شكل عمل موسمي أو غير منتظم، بأجور يومية لا تضمن للعمال استقراراً مادياً أو اجتماعياً. وهذا ما يدفع باليد العاملة المغربية إلى الهجرة نحو إسبانيا أو دول أوروبية أخرى، بحثاً عن أجور أفضل وشروط عمل أكثر عدالة. وهكذا، يتحول العامل المغربي من طرف في معادلة اقتصادية محلية إلى “سلعة” تصدر إلى الضفة الأخرى لتوظف في فلاحة الأشقاء.

 

إن المقارنة بين النموذجين تكشف عن مفارقة كبرى. ففي إسبانيا، تعمل الدولة على تنظيم وتسهيل القطاع الفلاحي ليكون رافعة اقتصادية واجتماعية تخدم شرائح واسعة من المجتمع، بما في ذلك العمالة الأجنبية. أما في المغرب، فرغم الدعم الحكومي المعلن، يبدو أن القطاع الفلاحي قد تحول إلى ساحة استثمارية لقلة من الخواص، الذين يستفيدون من الدعم العام لتحقيق أرباح خاصة، تاركين خلفهم جيشاً من العمالة بمرتبات زهيدة وظروف عمل صعبة.

 

هذه المقاربة النقدية تطرح سؤالاً جوهرياً: هل الفلاحة في المغرب تخدم المواطن أم تخدم رأس المال؟ وإلى متى سيظل المواطن المغربي يرى في الفلاحة الإسبانية “ملاذاً” له، بينما فلاحة بلده تدر الملايين في جيوب لا يصله منها إلا الفتات؟

You May Have Missed